هل تلتقي السعادة والطمأنينة مع الالم !؟ وهل بالإمكان أن تتصالحا معه !؟ وهل يتصالح النقيضان!؟

كتب كل من أندرو نيوبرغ ومارك ولدمان في كتابهما الشيق (الكلمات تستطيع ان تغير عقلك) (Words can change your brain)(١) عن دور القيم الانسانية وعلاقتهما المباشرة مع الحالة النفسية للإنسان ” إن التفكير في القيم الشخصية يمكن أن تُبقي الاستجابات الهرمونية العصبية والنفسية للإجهاد عند مستويات منخفضة “.
فبالإمكان إذاً تخفيف الإجهاد وتهدئة المشاعر السلبية اذ تسامت القيم الانسانية وارتقت الأنفس وتناغمت وتصالحت مع هذه المشاعر القوية والمتنوعة والمتناقضة…..بين مشاعر الالم والسعادة…..بين الوجع والراحة…. فهل هذا التصالح يُعد مِن تمام الأخلاق أيضاً كما وجه به رسولنا الكريم (ص) قائلاً: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ). كيف نَخلُق هذا التناغم ونغذيه !؟ وهل هو تناغمٌ أم خداع أنفس!؟ هل هو ذلك الشعور الجميل الذي يعترينا عند حسن الظن بالله، وعند الصبر على الشدائد، وهل هو ذلك التناغم الذي نسمو به عند اليقين بفرج الله!؟. نعم هو ذلك، قال تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة، القدر ٥)، دين الاستقامة والقيم. فلقد أشار كلا من أندرو ومارك في كتابهما أيضاً ” اننا عندما نتصل ونتصالح مع ما هو أكثر وضوحا واهمية في حياتنا، تقل درجة التشتت الذهني عندنا والتي تحصل من جراء المشكلات التي تحدث ونمر بها على مدار اليوم “. هل هذا الوضوح في حياتنا هو اليقين؟…. اعتقد ذلك!!فاليقين! منارةُ ضياءْ…..تنيرُ لنا الطريق وتحدد لنا المسار، حين نميل ونتيه في غَمام الحياة، نلتطم بمتاعبها وبآلامها، فباليقين نرجِع ونستقيم ونرسم الدروب ونقلل الأضرار.
إن الدكتور محمد الغزالي رحمه الله يقول في كتابه “جدد حياتك” ؛ (حياتك من صنع أفكارك؛ سعادة الإنسان أو شقاوته أو قلقه أو سكينته تنبع من نفسه وحدها. إنه هو الذى يعطى الحياة لونها البهيج، كما يتلون السائل بلون الإناء الذى يحتويه، فمن رضى فله الرضا، ومن سخط فله السخط ). تأملت كلمات شيخنا الكريم الغزالي ووجدت انها تطابق اوصاف قِلة من الناس …نعم قلة للأسف الشديد كانوا قد قضوا يومهم كله في معركة مع الحياة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وهم يعلمون انهم إن احياهم الله بإذنه في اليوم الثاني سيتابعون هذه المعركة، ولكن تراهم يستيقظون وهم طافحون متيقنون بأمل السعادة والحب والتصالح مع الجديد القادم المبهم المجهول……..
هذا هو عين الرضا واليقين.
يقال ضربُ الأمثال يُكمل المقال ؛ فمن الأمثلة الجميلة واللطيفة لتلك الشخوص والتي مازلت أحاول فك طلاسمها، شخصُ (ابن بطوطة الزمان) عزيزنا الدكتور احمد العرفج، بعضكم يتساءل !!!! مابال هذه السيدة!!!؟ وهي تكرر وتستشهد وتتابع إبن بطوطة العرفج بذلك الاهتمام والملاحقة…..أرد عليهم قائلة؛ ليس تملقاً ولانفاقاً !!!!… ولكن دعوني أطرح سؤالا عن استحياء، لعله سؤالا استنكارياً بعض الشئ!! … كم من متشائم متخاصم، بائس، كئيب (ذالك الانسان السلبي) مر ومازال يمر عليكم في حياتكم!؟ مرور السيل اذا هدر ! يمر من أمامكم وورائكم وعن يمينكم وعن شمالكم!!!؟؟. هم كثر!!! أليس كذلك!؟ …إذاً فإني احسب نفسي محقة بإستشهادي بشخصِ العرفج فانه استشهاد مقبولٌ مطلوبٌ مطلوبْ، فهذه الشخصية تعتبر ظاهرة جميلة أتت في وقتها وزمانها، شخصية تبث السعادة والايجابية والامل، في زمن الحزن و السلبية والالم….هؤلاء هم المتصالحون وهؤلاء هم الايجابيون، فأجعلوهم فيما بينكم وحواليكم. وقد بدأت بدائرتي المقربة وقائمتي الخاصة بي، لايضاف إليها إلا أولئك المتصالحون والإيجابيون، فهي تمتلئ ببطءٍ وتوؤدة بفضل الله. لقد سئمنا ووجلت قلوبنا من أؤلئك المتخاصمون مع كل شي موجود او حتى الغير موجود في هذه الحياة. ليتهم يعوا!!! ان الحياة ماهي الا حلم!!!!، ماأن نستيقظ منه حتى نجد أنفسنا في عالم الحق والحقيقة، وكأنها كانت سويعات فقط ….
حدثني مرة صديق عزيز، يسرد قصته باستغراب شديد مُستغربٌ منه….. إنه عندما كان يودع صديقه على فراش الموت، كان صديقه المريض يتكلم ويردد كلمات الحب والامل والتفاءل والسعادة، لعلمه ويقينه الشديد إنه قد بدأ مشواره وطريقه الى عالم الإله الحبيب والرحيم….ذاك العالم الجميل والسعيد، عالم الحق، منتهيا به الى يوم الدين والحساب مع رب رحيم.. إستغرب هذا الصديق الزائر .. بل إستنكر على المريض سعادته !! معتقدا انه من المفروض وكما عهدنا دائما في مجتمعاتنا ان يكون شعور المريض وحاله عكس ذلك….خوفٌ، حزنٌ،….يأسٌ وذِلة.
عجباً!! بتنا نُلصق بالله جل جلاله صفة المعذب والقاهر فقط، وكأننا نحن همُ الكافرون المجرمون العصاة العتاة الذين قد ذكرهم الله في التنزيل الحكيم، وأعدّ لهم أقسى العذاب الأليم !!!
عزيزي الانسان كن واثقا وغنيا بالله وتأكد بأن إلَهك الكريم إلهٌ رحيم، ارحم بك من نفسك! عليك ان تعمل وتسعى لمعرفته اكثر ستجد طريق الصراط المستقيم، طريق الخلاص الروحي والعقلي….. حينها حتما بإذن الله ستشعر بتصالحٍ مأمولٍ منشودٍ مع آلامك ومعيشك….
فالإيمان ياعزيزي هو حالة من الهيمنة الكاملة على العقل والروح والوجدان، فهو سكينة المؤمن وثباته وقدرته على احداث التغيير. فبالايمان تنتصر لنفسك وللناس، إصلاح لنفسك وللناس.
هذا مختصر مقتطف بسيط من خطبة د. عدنان ابراهيم اسمها مرآة الله، انصح بها، قال فيها أيضاً؛ إن الإيمان رقية نافعة للآلام.
ونهاية أقول، انا لست داعية او مصلحة، ولكني سأفترض انني كذلك وسأدعوكم من هذا المنبر المتواضع الى محاولة التصالح والمجاهدة مع أنفسكم ومع محيطكم لنتمم هذه القيم الاخلاقية والانسانية التي توارثناها، لعلها تكون الحصن المنيع والحاضن الوسيع في هذه الحياة، والتي هي جنة الله الكريم في الارض؛ فمن أراد بِنَا الفقر والالم، استعذنا بالله منه ومن جنوده شياطين التعاسة والسلبية والكسل. ولنكن أغنياء بالله،متفائلون ايجابيون به، ولنأخذ بنصيحة ملاك الرحمة والامل والسعادة محمد ابن عبدالله (ص) حين ارشد قائلاً 😦 فأروا الله من انفسكم خيرا )،
فهل يلتقي ويتصالح النقيضان!؟.
نعم ، بالإيمان واليقين
المراجع:
كتاب السيدان أندرو نيوبرغ ومارك ولدمان
Andrew Newberg & Mark Robert Waldman. “Words Can Change Your Brain.” Penguin Group.