نحن نهزل والدهر جاد!!!!

Three men laughing over tea in a historic stone alley beneath a clock tower

هذه عبارة سمعتها في إحدى المحاضرات للدكتور عدنان ابراهيم (١) وعنوانها ( سُنة و سُنة….. وكلهم سُنة) (٢) ، هذه العبارة فجرت في داخلي سيل من التساؤلات  هل فعلاً  “نحن نهزل والدهر جاد”، بماذا نهزل؟ وكيف ان الدهر جادا؟، وجودنا افعالنا افكارنا كلها حقيقية ليست هزلاً، ستنتهي يوماً وتنتظر يوم حسابها اذا فالدهر جاد..اقشعر بدني وتساءلت بخوف، هل نحن امة نهزل فعلاً ؟ ايعقل أننا لانشعر أننا تحت غفلة هذا الهزل والهمز واللمز والحصر والانطوائية ورفض الحياة ؟، كلٌ يدعي انه على حق والكلٌ يتصرف على أساس هذا الحق الموهوم، يتراشقون ويتسابقون في انتاج شتى أنواع الشرور للآخر ،  فوالله ، انها لمصيبة الكبرى….. 

وفي ذات الفترة ايضا كنت قد قرأت مقالةً جميلة للدكتور احمد العرفج (٣)، عنوانها (الجمع بين السرقة والعبادة) (٤) قال فيها  “لديَّ إيمان عميق، بأن الإنسان يجب عليه أن يقتصد في إنتاج الشر قدر المستطاع”…… استوقفتني عبارته هذه ايضا كما عبارة الهزل والجد للدكتور عدنان ابراهيم لاحقاً………الدكتور العرفج يُطالب من خلال مقالته بالتعقل وتفهم العِوج والنقص في طبيعة الانسان، واننا يجب ان نفسح المجال له ذا الانسان بشتى الفرص للتراجع عن زلاته وهزله ولمزه وان نشجعه لفعل الصواب و الصحيح. هنا تساءلت؛ هل الاقتصاد في انتاج الشر الذي يشير اليه الدكتور العرفج في المعاصي يعد بابا من أبواب الهزل لدى الدكتور عدنان!؟ …..وهل كلمة المعاصي تعني جملة المعاصي بكل أشكالها وفظائعها  وكل أنواع الفساد كالسرقة والتكفير والقتل وغيرها !؟ ….ام الهزل هنا هو فقط مقصود به المعاصي الصغيرة كسرقة كيس طعام أو كسوة احد ما…. او جرح آخر…او ذم في ذاك وهمز في تلك..؟ هل كل المعاصي لها توبة؟..مجرد تأمل…

هناك سؤال مطروح نرجع فيه إلى مقالة الدكتور العرفج،  فقد سأل الدكتور قائلاً ( هل تؤيدونها!؟)……يقصد هل تؤيدون الجمع بين السرقة والعبادة!  معبراً  “في نهاية الناصية يا قوم، هذه نظريتي في اقتصاد الشر، وترشيد استهلاك المعاصي، هل تُؤيدونها؟، أم أنكم تؤيدون تلك النظرية القائلة بأنه: (يجب على الإنسان أن يبتعد عن كل الشرور والمعاصي، فلا يســـرق ولا يترك الصلاة)؟ الأمر متروكٌ لكم وعليكم الاختيار.”    ..هنا يطالب الدكتور ان يكون هناك خط رجعة للعاصي، هل بالامكان الإصلاح ، او مجاهدة النفس!؟ والى اي مدى تحتمل هذه المعصية خط الرجعة هذا!؟ هل هناك حدا معينا للتوبة وضعه لنا الواحد الأحد فإذا تعديناه خسرنا فرصة المغفرة!؟ ام ان باب توبته مفتوح مشروع على الدوام.!؟… 

تساؤلاتي هذه وغيرها، بسيطة ولكن عصيبة في  ذات الوقت،  أجول بفكري وخاطري هنا وهناك وارى حالنا الان، فأجد، مشاهد الطغيان كثيرة التي قد غطت على اغلب مشاهد الرحمة والتسامح والتعارف والتكامل والتعاون بين الناس، نصبوا انفسهم نواب و وكلاء عن الإله، تطاولوا على بعضهم البعض، تكبروا واصبحوا حازمين كل الحزم أنهم على حق وان إيمانهم قوي جدا راسخ لايحتاج لأي مجاهدة أو محاسبة، إيمان مصقول لايخدش ولاينقص ولايحتاج إلى صيانة مستمرة . امتلكوا الحقيقة وفقهوا كل شئ، فأصبح هذا الانفلات القيمي واقعا نعيشه لا يشوبه ولا يعتليه اي نقص او غلط ، نصبوا أنفسهم  الاله وصنعوا  بايديهم كهنوتهم، واثقون كل الثقة بانهم يحسنون صنعا ويحدثون فرقا، عَميت بصائرهم، وضيقوا على أنفسهم وصعبت التوبة وأصبحوا في دائرة الهزل ولكن ماذا؟!  ان الدهر جاد… 

وضعوا الحدود والسدود والأثقال والأغلال أرجعوها مرة اخرى بعدما أزالها الإله الكريم الرحيم، هذه الأغلال التي لم يشرّع بها سلطان، وانتهى بهم وبنا المطاف خالصين ان لا مغفرة ولا توبة أبدا، فإن عصينا سيعجل الله العذاب سريعاً في دنيانا قبل آخرتنا، وأصبحنا نحن الجلادون!!!  وصارت جل تجاربنا وامتحاناتنا الدنيوية نهائية ولا دور ثانٍ فلارجعة  ولاتوبة، وأننا من المؤكد لمغلوبون مغلوبون… 

هكذا عُبَّاد الأنا و لاغيري هنا إلا أنا……صار حالنا وقيمنا الاخلاقية وافعالنا مشوهة بعيدة كل البعد عن الأصل والمرجع الا وهو كتاب الله المجيد  فنحن في غفلة عن كل شي، فكل قرية حتماً ستهلك بفعل قانون وسنت الله سبحانه في كتابه الكريم الا وهو قانون هلاك القرى… 

اتفهم مايرتقي اليه الدكتور العرفج في مقالته……انك أيها الانسان وبهذه العقلية السماحية ستؤدب نفسك أولاً ، ومن ثم تعين الآخرين على تحري رؤية الأمل والخير لتعيش حياة كريمة قوامها الرحمة والمسامحة ومن ثم المغفرة بإذن الله،الم يسعدنا ويبشرنا الهنا الكريم في تنزيله الحكيم، قائلاً ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، الأنبياء ١٠٧)، أليس الله بأرحم الراحمين، الا ندعوه بكل صلاة ولقاء معه بالرحمن الرحيم ….. فهل بهذه المعية يمكن ان يفلس الانسان المتأمل، المتيقن، المتقي !؟؟، لا والله لن يفلس.

وأتفهم الدكتور عدنان ابراهيم… عندما قال؛ نحن نهزل والدهر جاد…..لقد أراد الله بان نكون بالإحسان والمحبة والرحمة والتسامح جَادين، لأننا نحن أبناء الانسانية العظيمة…. الإنسان الخليفة أُسّه التسامح والمحبة والخير، قال الله تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير، الحجرات ١٣) ، لنكون وحدة واحدة تعيش تحت راية الحرية والتسامح والإحسان…دين واحد…( إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب، آل عمران ١٩).

دعوكم  يا نوّاب ووكلاء السماء، فالسماء لاتحتاجكم، نحن نحتاجكم!!هنا في الأرض، كونوا لنا نصحاء وشركاء في هذه الحَيَاة، ولنكن معاً ذاك العبد البشري المصطفى الذي باهى به اللهُ العظيم ملائكته وجِنّه، واوكله الخلافة في ارضه…..وجنته في الدنيا.

وأخيرا، فن حمدي لله عظيم، وشكري له جزيل، مطمئنة واشعر بالسكينة، ليقيني بأن إلهنا الرحيم لن يوكل زمام حسابنا وجزائنا الى ذاك الانسان الضعيف (إنسان إلانا)، وإلا لضعنا وضاعت كل مجهوداتنا وخزائننا هباءً منثورا. ولن يرى اي منا جنّة الله الموعودة. ودمتم… 

(١) عدنان إبراهيم (مواليد 1966) مفكر إسلامي من مواليد مدينة غزة، وهو من الخطباء المسلمين البارزين في أوروبا، وهو داعية ومفكر، ولهُ دراية بعلوم التربية والأدب، ويجيد عدة لغات بجانب اللغة العربية وهي الإنجليزية والألمانية والصربو كرواتية. (https://ar.wikipedia.org/wiki/عدنان_إبراهيم_(مفكر)

(٢)رابط خطبة الدكتور عدنان ابراهيم (سنة ام سنة……وكلهم سنة):

(٣) أحمد عبد الرحمن العرفج كاتب سعودي ساخر يلقب بعامل المعرفة، من مواليد 25 مايو 1967 في مدينة بريدة. حصل على الدكتوراه في تخصص الإعلام، وصدر أمر ملكي في 26 فبراير 2018 بتعيينه عضوًا في مجلس أمناء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني(سابقا). وهو عضو مجلس أمناء جائزة الشارقة للاتصال الحكومي.        

(٤)رابط مقالةالدكتور أحمد العرفج (الجمع بين السرقة والعبادة):

 http://www.gomhuriaonline.com/main.asp?v_article_id=400988#.V-Zk96WKSUk

بين الاتفاق والدين: قراءة قرآنية في وهم الديانة الإبراهيمية

الخلط بين الدين والاتفاق هو أصل الإشكال في مصطلح “الدين الإبراهيمي”.
القرآن لا يقول بديانة واحدة جامعة بعد إبراهيم، بل يقرر اتفاقًا مبدئيًا (ميثاقًا/عهدًا) على أصول محددة، ثم يثبت أن الدين واحد عند الله هو الإسلام بالمعنى القرآني (الخضوع لله)، وأن الاختلاف وقع لاحقًا.

أدلة الاتفاق من القرآن، لا الدين الواحد—بوضوح:

1) الاتفاق على أصل التوحيد فقط:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 64]
• كلمة سواء = أرضية اتفاق.
• لم يقل: تعالوا إلى دين واحد.
• الاتفاق محصور في التوحيد، لا في التشريع ولا المنهج.

2) ميثاق إيماني لا نظام ديني موحّد:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ… لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81]
• هذا ميثاق بين الأنبياء.
• الميثاق = التزام واتفاق، لا “ديانة مركبة”.
• دليل على وحدة المصدر، لا وحدة الشريعة.

3) إبراهيم ليس صاحب “دين جامع”:

﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: 67]
• نفيٌ صريح لأي تصنيف ديني لاحق.
• إبراهيم حالة توحيد، لا مظلة أديان.
• هذا يهدم مصطلح “الديانة الإبراهيمية” من أساسه.

4) تعدد الشرائع = نفي الدين الواحد:

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]
• لو كان هناك “دين إبراهيمي واحد”، لما اختلفت الشرائع.
• الاتفاق في القيم الكبرى، لا في الأحكام.

5) الاختلاف وقع بعد الاتفاق:

﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19]
• الاتفاق سابق.
• الاختلاف طارئ وبشري.
• لا وجود لدينٍ جامع محفوظ.

الخلاصة الحاسمة ؛
• القرآن يقرّ اتفاقًا توحيديًا أخلاقيًا بين الرسالات.
• ولا يقرّ ديانة إبراهيمية واحدة جامعة.
• مصطلح “الدين الإبراهيمي” سياسي/أيديولوجي حديث، لا قرآني.
• القرآن يتكلم عن:
• ميثاق
• كلمة سواء
• وحدة المصدر
• تعدد الشرائع
— لا عن دمج الأديان.

سوريا البداية… والسعودية البقاء

سوريا، يا مهد ولادتي،

يا حضنًا أول، وذاكرةَ طفولة،

يا ياسمينَ دمشق، وندى الصباحات،

يا دجلةَ الحكايات الأولى، وضياء الأحداق…

أحدَ عشرَ عامًا عشتُ فيكِ،

كبرتُ على أرضكِ، وتنفستُ هواءكِ،

ثم حملتني الأقدار إلى وطني الحبيب:

إلى السعودية، إلى الدفء والجذور،

إلى أرضٍ تحتضنني بالهوية، وتزهرُ في قلبي بالانتماء.

سوريا يا أولَ الطريق،

والسعودية يا كلَّ الطريق…

بين المهد والجذور،

بين البداية والخلود،

تتشكل حكايتي.

سبحانك ربي… حديث مع النفس

أنا لست مرآةً تعكس الآخرين، بل كيانٌ مستقلّ يتعلّم من الحياة كما شاء الله أن تكون.

كل يوم يمرّ يؤكد لي أن هذه الحياة ليست عبثًا. نعم، نحن نصنع أقدارنا بخياراتنا، بخطواتنا الصغيرة قبل الكبيرة. فالله سبحانه كتب سننه وقوانينه في هذا الكون، وأودع فيها احتمالات الخير والشر، النجاح والفشل، السعادة والشقاء. وهذه السنن لا تحابي أحدًا: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [فاطر: 43].

المسؤولية إذن تقع علينا كاملة؛ نحن من نختار، ونحن من نحصد. فإذا التزمنا بما كتبه الله من قوانين الرحمة والعدل والتزكية، كانت النتائج بركة وخيرًا. وإذا تجاهلناها، وقعنا في العواقب، وهي ليست قدرًا أعمى، بل انعكاس طبيعي لاختياراتنا الخاطئة. والعواقب نفسها تتحول إلى دروس تكشف النفس وتزكّيها، لتعيدها إلى الطريق الأقوم. أحيانًا، لا تُرهقني أقداري بقدر ما تُرهقني توقعاتي. أوهامي التي تُقنعني أنني أستطيع التنبؤ، أو أن الناس سيكونون كما أرجو. لكن سرعان ما أفاجأ… فينكسر في داخلي شيء صغير، لأصحو من جديد.

عندها ألجأ إلى القرآن، فأجد التصنيف الرباني للنفس كأنه مرآة أمامي: النفس الأمارة بالسوء: التي تستسلم لشهواتها. قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: 53]. النفس اللوامة: التي توقظني وتعاتبني. قال تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]. النفس المطمئنة: غايتي وملاذي. قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27–30]. أدركت أن تقوية النفس لا تكون بالتحمّل الأعمى، بل بالتزكية. قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9–10].

في لحظات الألم حين يجرحني القريب أو يستخفّ بي من ظننته يفهمني، أكتشف أن الجرح ليس منهم، بل امتحان لقوتي ووعيي. قال نيتشه: “ما لا يقتلني يجعلني أقوى.” وأنا أقول: ما لا يزلزل يقيني، يزيدني ثباتًا.

أتعلم أن الألم أحيانًا أداة تهذيب لا نقمة. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. وأقوّي نفسي بالصلاة التي تعيد اتزاني، وبالقرآن الذي يربيني من الداخل. كلما قابلت الإساءة بالحسنى، لا ضعفًا بل سموًّا، ازددت قربًا. قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. وقال الشافعي: “إذا جاريتَ في خلقٍ دنيئًا فأنت ومن تجاريه سواءُ.”

لقد علّمتني الحياة أنني حين أقدّر نفسي، لا أطلب من الآخرين تقديرًا. فأنا لست مرآة لهم، بل كيان قائم بذاته. أحب نفسي حين تمرّ بالألم، لا لأنها تنهزم، بل لأنها تُصقل وتصفو. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]. وأحب فيها كبرياء لا ينتقم، وكرامة لا تُذل، وعقلًا لا يغرقه الغضب. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. وقال المتنبي: “وما انتقامي إلا من الجهلِ بالصّفا / إذا سكتُّ ففي السكوتِ مهابَتي.”

سبحانك ربي، ما ألطفك حين تُعلّمني بالصدمات لا بالكلمات، وحين تكشف لي نفسي من خلال غيري. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].

المراجع:

الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن.

ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.

سيد قطب، في ظلال القرآن.

Nietzsche, F. (1888). Twilight of the Idols.

المتنبي، ديوان المتنبي (قصيدته في كافور الإخشيدي).

الإمام الشافعي، ديوان الشافعي.

من خاف مقام ربه

مراتب الجنان في سورة الرحمن بميزان القرآن

تقدّم هذه المقالة قراءة تدبّرية لسورة الرحمن، مركّزة على الآية المحورية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. ينطلق البحث من لسان القرآن نفسه لفهم طبيعة الجزاء وعلاقته بمقام الخوف الواعي; حيث لا يكون الخوف رهبة عابرة، بل وعيًا معرفيًا–وجدانيًا يوجّه السلوك ويزن النفس في كل لحظة. يكشف التحليل أن وصف الجنتين العُليين ليس زخرفة حسّية بل انعكاس لمقام الإحسان، حيث يتجلى النعيم في اتساع البصيرة، ودوام الرحمة، وشفافية الروح. بينما الجنتان الدون تمثلان رحمةً أدنى منزلة، تُظهر أن العدل الإلهي لا يحرم أحدًا، بل ينزّل كلًّا بحسب مقامه. وهكذا تتبدّى سورة الرحمن كلوحة متكاملة، تربط النعمة بالمسؤولية، وتجعل مشاهد الجنان دروسًا في الوعي، ليبقى الخوف من المقام أصل الجزاء وجذر الإحسان.

ما الجنة في لسان القرآن؟ ومن هم أهل الجنتين؟ ولماذا يصف الرحمن جنتين عُلَيَين ثم جنتين من دونهما؟ أهو الخوف من مقام الله شعور عابر، أم ميزان أخلاقي ووجودي يغيّر مصير الإنسان؟

في هذه المقالة لا نلاحق زخارف الحسّ ولا المشاهد المادية، بل نتدبّر بنية الجزاء القرآنية: العلاقة بين النعيم والمقام، بين الخشية والعدل، بين التدبر والمآل. نعتمد لسان القرآن نفسه مرجعًا أولًا وأخيرًا، إذ يقدّم ذاته كتابًا مبينًا بلسان عربي واضح، قادرًا بذاته على الهداية لمن أنصت له بعقله وفؤاده. ومن هنا، يكون تفكيك الألفاظ واستقراء استعمالاتها عبر مواضعها سبيلنا إلى المعنى، بحيث يصبح لسان القرآن بوصلتنا وميزاننا في فهم مراتب المقام وتناسق الدلالات. وانطلاقًا من هذا المنهج، نقف عند سورة الرحمن، حيث تتكرر آية الميزان الإلهي ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أكثر من إحدى وثلاثين مرة، لتقسم المشاهد وتوقظ الوعي عند كل موضع نعمة وعدل.

الجنتان في سورة الرحمن: مقامات لا مشاهد:

في هندسة المقامات القرآنية لا يقوم التفاضل بين الناس على ظاهر الطقوس أو كثرة الأداء، بل على عمق البصيرة واتزان النفس وصدق التوجّه نحو الحق. ومن هذا المنطلق تأتي الآية المحورية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]. فهي لا تربط الجزاء بمظاهر التدين، بل تكشف عن معيار داخلي دقيق: الخوف من المقام. وهذا الخوف ليس رعبًا، بل موقف معرفي–وجودي، استحضار حيّ للحق ووقوف دائم على الميزان الأخلاقي في تفاصيل الحياة. ولذا يربط القرآن الخشية الحقة بالعلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. فالذي «خاف مقام ربّه» لم يكن جزِعًا، بل أدرك لحظة الميزان، ووعى أن ما يُبنى في الداخل سيُوزن في العلن؛ فاستحق جنتين لا جنة واحدة. فالتفاضل هنا ليس بكمّ الأعمال، بل بصدق المقام وعمق الإدراك. ومن هنا تبرز الأسئلة التي تقود التدبّر: من هو صاحب هذا المقام حقًا؟ ما خصائص الجنتين الموعودتين؟ كيف يختلف هذا النعيم عن درجات أخرى من الجنان؟ وما علاقته بمفاهيم قرآنية مثل النور والميزان والكتاب المبين؟ انطلاقًا من هذه الأسئلة ندخل إلى آيات الجنتين في سورة الرحمن، نفكّك أوصافها بلسان القرآن لنرى كيف يتحوّل الخوف الواعي إلى نعيم مضاعف، وكيف يتجلّى الميزان في درجات المآل.

الجنتان في سورة الرحمن – البناء اللفظي والمعنوي:

تبدأ سورة الرحمن بعرض نعم الخلق والإحسان، ثم تنتقل من مشهد النعمة إلى مشهد الجزاء، لتضع الآية المحورية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]. وهنا لا يُقدَّم الجزاء بناءً على كثرة الطقوس أو ظاهر الأعمال، بل على مقام داخلي من البصيرة والخشية، حضور قلبي واعٍ لا رهبة عابرة.

ثم تتوالى أوصاف الجنتين العُليين (46–61) في سلسلة تكشف عن اتساع النعيم ورُقيّه:

﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾: تنوّع الأغصان وامتدادها، رمزية للحياة المتعددة الأبعاد.

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾: ماء متدفّق دائم، رمز الاستمرار والرحمة السارية.

﴿مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾: وفرة متوازنة وتكامل في كل نعمة.

﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾: فخامة باطنة، عطاء يبدأ من الداخل.

ثم يأتي التحوّل إلى الجنتين «من دونهما» [62] حيث يختلف المعجم القرآني في الدقة والدلالة:

﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: شدة الخضرة وكثافة الستر.

﴿عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾: ماء متفجّر لا جارٍ، وفرة محدودة.

﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾: تنوّع أضيق وأكثر تحديدًا.

التدرّج هنا ليس زخرفًا بل بيانٌ لمقام، حيث يتناقص اتساع المفردات ورمزيتها كلما نزلت الدرجة، ليبقى لكل فريق جزاؤه الموافق لمستواه الروحي.

مقام “الخوف من الرب” – معرفة توزَن لا رهبة:

تُعدّ الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] مفتاحًا يكشف طبيعة التفاضل في الآخرة. فهي لا تجعل الفوز بجنتين ثمرة كثرة الطقوس، بل ثمرة مقام داخلي هو الخوف من المقام. غير أنّ هذا الخوف ليس انفعالًا هروبيًا ولا رعبًا جسديًا، بل حالة معرفية–وجدانية تستحضر الحساب في كل لحظة. إنّه وعيٌ حيّ بالمقام الإلهي وميزانٌ أخلاقي ذاتي يهذّب النفس في القول والفعل. فالمقام في القرآن ليس مشهدًا عابرًا، بل لحظة كشف مطلق يظهر فيها نور الحقيقة وتزول الأقنعة.

الخوف والخشية في لسان القرآن – مراتب وعي متكاملة:

قد يُظنّ أن الخوف والخشية في القرآن مترادفان، غير أن لسانه الدقيق لا يكرّر لفظًا إلا لفارق في المعنى. الخوف هو شعور طبيعي إزاء ما قد يُخشى من أذى حسي أو معنوي، بينما الخشية هي خوفٌ ناتج عن وعي ومعرفة بعظمة المقام. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، أي أن العلم والوعي هما ما يولّد الخشية الحقّة. أمّا قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] فيكشف عن خوفٍ يتجاوز مجرّد الإحساس النظري، ليصبح وعيًا حيًّا يسكن القلب ويهذّب الجوارح. إنه شعور دائم بالوقوف في حضرةٍ لا تغيب، فيعيش المرء بميزان متصل، لا يتهاون في لفظ ولا فعل.

وصف الجنتين العُلَيَين – نعيم الإدراك وكرامة المقام:

في بنية سورة الرحمن، ينطلق وصف الجنتين الموعودتين لمن خاف مقام ربه ابتداء من الآية 46، متصلا دون انقطاع إلى الآية 61، امتداد الآيات بهذا النسق المتصل يُظهر جزاءً واحدًا ذا وجهين، مزدوج في عطائه، موحّد في مقامه؛ جنتان في سياق واحد، لا انفصال بينهما في الخطاب ولا في المعنى. وبين كل ملمح من ملامح النعيم يتكرر التذكيرُ الفاصل ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ليعيد الميزان إلى القلب إلى موضع المحاسبة: كل نعمةٍ تستوجب وعيًا، وكل عطيةٍ تقابلها مساءلة. وتدبُّر هذه الأوصاف يكشف عن نعيمٍ يُنمّي الوعي قبل أن يُرضي الحسّ؛ نعيمٌ يُقاس بالميزان لا بالإبهار. فالجنة الأولى مرآةٌ للثانية، تتكاملان في المعنى كما تتكامل النفس العارفة مع العمل المتزن. فلننظر في صفاتهما كما وردت:

﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾
هذا أول وصف، ويأتي كإشارة رمزية لجنّة حيّة نامية، لا ساكنة ولا مكررة. “الأفنان” ليست مجرد أغصان نباتية، بل امتدادات حيوية متعددة الأبعاد. في لسان العرب، فنن هو الغصن المتشعّب، ويُستعمل مجازًا أيضًا في دلالة على التفرّع في الفكر، الإبداع، أو الحياة. إذًا، التنوع هنا لا يعكس كثرةً مادية فحسب، بل نموًا داخليًا، وثراءً في التجربة والوعي. إنها جنة منفتحة، متكاثرة المعنى، كما لو أن كل “فنن” فيها يحمل بعدًا مختلفًا من الإدراك والنعيم. وهذا هو الفارق: النعيم هنا لا يُستهلك، بل يُنبت وعيًا جديدًا كلما نُظر إليه.

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾
الماء في القرآن ليس مجرد سائل يُروى به الجسد، بل رمز للحياة المتدفقة، للرحمة السارية، وللبقاء المتجدّد. وهنا لا يُقال “تفجّرت” أو “نضخت” كما في درجات أدنى، بل “تجريان” بصيغة المضارعة، دلالة على الاستمرار والدوام. هذا الجريان يُقابل السكون والانقطاع، ويكشف عن نعمةٍ لا تنفد، بل تسري كما يسري الهدى في القلب الذي خاف مقام ربّه. فالجزاء على مقام دائم، لا يمكن أن يكون بنعمة عابرة. النعيم هنا متصلٌ بجوهر الإدراك، لا بلحظة انفعال، بل بتيارٍ من البصيرة لا ينقطع.

﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾
الزوجيّة لا تعني العدد فقط،بل نمط يُعيد تنظيم الذوق والتناسق. “كل فاكهة” ليست تكرارًا لمتعة، بل كشفٌ عن بُعدين متكاملين في كل نعمة: الطعم واللون، الشكل والجوهر، اللذة والمعنى. وفي لسان القرآن، لا تأتي “الزوجية” فقط للدلالة على الأضداد أو الذكور والإناث، بل على التكامل الحيّ في الخلق: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49]. فالنعيم هنا ليس فوضى أذواق، بل توازنٌ يحاكي انسجام النفس التي استحقّته. ليس التنوّع هو الهدف، بل الانسجام في التعدّد، والوزن في اللذّة، والتناسق في كل ما يُقدّم

﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾
النعمة هنا ليست سطحية ولا صاخبة، بل تبدأ من الداخل، من البطانة، من حيث لا تصلها الأبصار، لكنها موصوفة قبل الظاهر. كأن التكريم الإلهي والجزاء يُقاسان بما في السرائر لا بالاعمال الظاهرة فقط وحدها. وهذا الاتساق مع مقام الخوف المستتر – الوعيٌ الحيّ الذي يسكُن القلب ويهذب الجوارح – يوصل رسالة دقيقة: كما كان مقامك صادقًا خفياً، كذلك يكون تكريمك – يبدأ من الداخل ايضاً، يبدأبطانة الفراش لا من ظاهره. وفي هذا السياق يُفهم “الاستبرق” لا كمجرد حرير لامع، بل كرمز للبريق الداخلي، كالنور في اعماق الانفس ﴿قَد أَفلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: 9]، وهذه هي الشهادة على المقام.

﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾
الثمر ناضج لايطلب، بل يقترب من صاحبه. كأن الجنة تعترف بمقامه وتخدمه عن طواعية. وهذا المشهد ليس فقط لذة حسية، بل تجلٍ لمقام خاص “مقام القرب”، و كأن النعيم نفسه يلتفت الى من يستحقه. إنه جزاء المقرّبين، الذين دانت نفوسهم إلى الله، فدان لهم كل شئ. ومن أقبل على الله بقلبه، أقبلت إليه النعمة بلا عناء.

﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾
القصر هنا لا يقتصر على الحياء الأنثوي كما يشاع، بل يحمل في لسان القرآن دلالة أعمق وأرقى: تركيزٌ داخلي، وانشغالٌ بالمقصد، وتوجّهٌ صافٍ لا تشتت فيه. النفوس هنا لا تتبع الهوى، بل تبصر بعين البصيرة، ثابتة على وجهة الحق. لكن المعنى لا يُستبعد أن يتسع لاحتمال آخر: أن بعض هذه الثمار الدانية تُرى ولكنها تقصر عن متناول الأيدي، تحفظ نفسها عن العبث، وتنتظر من يستحقها. فـ”قاصرات الطرف” قد تصف حال هذه النعم، لا كائنات بشرية، بل ثمارات كريمة الطبع، لا تُلمَس إلا بإذن، كما أن النعيم لا يُمسّ إلا بالمقام. تتدلّى هذه العناقيد برفق، دون أن تلاصق، وتقترب بحياء دون أن تُبتذل، وكأنّ النعيم نفسه في حضرة الخشية يتأدّب، فيتقدّم بقدر، ويتريّث في عطائه حتى تُمدّ إليه الأيدي بخشوع. بل إن في هذا القرب المنضبط ما يدل على أن الثمار ليست مخزونة، ولا موروثة، بل طازجةٌ، نديةٌ، تُخلَق لحظة الفوز، وكأنها لم توجد إلا لمن خاف مقام ربه. إنها عناقيد لا تبذل نفسها، بل تُفصَّل لصاحبها، وتُهدى له خَلقًا جديدًا. وكأن قصر الطرف هنا ليس صفة لجسد، بل سِمةٌ للفردوس ذاته؛ لا يهب المتعة بلا وعي، بل يُربّي النفس حتى في سَعَتها، ويُبقي على الحياء بين النعمة والمنتعِم.

﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾
لا، ليس هذا وصفًا جسديًا كما يشاع، بل تصوير رمزي لحالة النفس الراقية، الشفافة، الثابتة على المبدأ، المتخلصة من التقلّب والهوى. إنّ الياقوت حجر كريم شديد النقاء والصلابة، لا يتغيّر لونه ولا يتأثر بالعوامل الخارجية، وكذلك المرجان، حيٌّ في الماء، يتشكل من بيئة نقية ويحتفظ بجماله في داخله وخارجه. فالتشبيه هنا يوحي بأن النفوس التي بلغت “مقام الرب” أصبحت كالياقوت في شفافيته وصلابته، وكالمرجان في رقّته وتكوّنه النقي. هذا لا يدل فقط على الجمال، بل على القيمة الذاتية، والصفاء الداخلي، والثبات على النور الإلهي. فهؤلاء – سواء كانوا نفوسًا بشرية أو نعمًا روحية – قد تطهّروا من كل كدر، وصاروا كالبلّور لا يختزن إلا الضوء، ولا يعكس إلا الحقيقة. وهناك احتمال آخر لا يُستبعد، وهو أن هذا الوصف قد يشير أيضًا إلى ثمار الجنة البعيدة، أو النِعم المهيبة التي تبدو للناظر، من شدّة بهائها وحسن خَلقها، كأنها الياقوت والمرجان. لكن حتى في هذا الاحتمال، تبقى الرمزية هي الأصل، لأن القرآن في وصفه للجنان لا يُغري بالحواس، بل يرفع الذائقة لتتذوق المعنى قبل الصورة، والمقام قبل المتاع. فهذا التشبيه بالحجارة الكريمة، إذن، ليس مديحًا لهيئة، بل تجلٍّ لحالة معنوية راقية، ترمز للنفوس التي أكرمها الله بنعيم البصيرة ونقاء السريرة، فجعلها مرآةً للجمال الرباني الثابت، لا تبهت ولا تذوب، بل تزداد إشراقًا كلما اقتربت من نور ربها

﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾
ليس العطاء هنا منّة، بل استحقاق كريم. من أحسن في مقام الخوف، أُحسن إليه في مقام القرب. لا بزيادة عدد، بل برفعة مقام. فالجنة ليست فقط ثمرة لأعمال، بل انعكاس لحال. وهذا هو بيت المعنى: الجزاء ليس صدفة، بل نتيجة منطقية. من بلغ مقام الإحسان، أُكرم بإحسان من جنسه، لا على مستوى المتعة بل على مستوى الوجود. فالإحسان القرآني ليس إحسان الأداء فحسب، بل مقام الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه. هو وعيٌ حي، وارتقاءٌ في المعيار، وسُكنى في مقام الخشية لا في مقام العادة. ومن كان هذا شأنه، فلا يُكافَأ بحدائق فقط، بل يُكرم بالقرب، ويُرفع في عليّين. وهكذا، فالإحسان الذي بدأ بالخوف، وانتهى بالتجرد، خُتم بعطاء لا يقابله إلا الإحسان الإلهي. جزاء يُمنح لا كمقابل، بل كمقام: لأنك أحسنت، صرت في محلّ الإحسان، تناله لا كأمنية، بل تحقّق.

الجنتان الدون – مقام الستر وتنزّل الرحمة:

لم يقل النص القرآني: «جنتان أخريان»، بل قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 62]. وكلمة «دون» لا تفيد مجرّد الترتيب، بل منزلةً أدنى. فهاتان الجنتان تمثلان تنزّلًا من الرحمة لا نقصانًا في الجود. فمن لم يبلغ مقامَ الخوف التامّ أو درجةَ الإحسان الكاملة لم يُحرَم النعيم، بل نال ما يليق بمقامه؛ إذ رحمةُ الله واسعةٌ وهي تضع كلًّا في منزلته. ويؤكّد الفارقُ البيانيّ هذا التدرّج: هناك «عينان تجريان»، وهنا «عينان نضّاختان»؛ هناك «من كل فاكهة زوجان»، وهنا «فاكهةٌ ونخلٌ ورمانٌ»؛ هناك «قاصرات الطرف»، وهنا «خيراتٌ حِسان». هذا ليس تمييزًا في الكرم، بل تنويع في المقام. فلكل نفس درجتها، ولكل مقامٍ تجلٍ خاص، يتناسق مع حال القلب واستعداده:

﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: صفة فريدة لا تتكرر في القرآن، من “إِدْهَامَّ”، أي اشتدّ خُضْرَتها حتى مالت إلى السواد. وهذا ليس ظلامًا، بل كثافة ستر، واكتناز ظل، وعمق حياة. الجنتان العليان كانتا “ذواتا أفنان” مشرعتين للنور والتجلي، أما هاتان موصوفتان بكثافة السكون، كأنهما مقام ستر ورحمة لمن لم يحتمل قلبه مقام التجلي.

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾: ليستا متفجرتين، بل “نضّاختان”، أي تتدفقان بلطف واستمرار. والماء هنا، كما الماء هناك، رمز للمعرفة والحياة، لكن تدفّقه متناسب مع الطاقة الروحية للساكن. لا فيضان، بل ارتواء هادئ، يوافق منازلهم.

﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾: هنا لا نجد “كل فاكهة زوجان”، بل ثلاثة أنواع مختارة: الفاكهة عمومًا، والنخل (رمز الاستقامة والعطاء الطويل)، والرمان (رمز الكثرة المنظمة والبهاء الداخلي). فالمعنى أن هذا النعيم ليس شاملًا في تنوعه، بل خاصًّا في رمزيته، يطابق حاجات منازلهم لا شهواتهم.

﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾: لم يقل “قاصرات الطرف”، بل “خيرات” بالمعنى العام: كل خير، وكل حسن. فالجمال هنا ليس مقتصرًا على العيون، بل هو انعكاس للخير ذاته. وكأن النعم هنا ليست مخصصة، بل مهيأة لكل من تهيأ لها.

﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾: قد تُفهم تقليديًا كنساء، لكنها على الأرجح رموز لنعم مخزونة، محفوظة، لا تُستهلك ولا تُبتذل، “في الخيام” أي في سترها وظلالها، فهي مكنونة لا ظاهرة، باقية لا فانية، محفوظة لمن عرف قدرها.

﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾: هذا التعبير لا يلزم قراءته حرفيًا. قد يشير إلى النِعم الخالصة التي لم تمسّها يد، ولا أدركها وهم، فهي ليست من جنس النعيم الأرضي، بل خلق جديد، لم يُلوث بطبيعة البشر، ولا بتخيّلاتهم.

﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾: هنا يُختتم المشهد بالراحة، لا بالحركة. بالاتكاء، لا بالامتلاك. “الرفرف” هو الظلّ الوارف، و”العبقري” هو الفراش الفاخر، أو الروح المترف. النعمة هنا ليست متعة متجددة، بل سكون ممتلئ بالرضا.

خلاصة التدبّر:

الجنة العُليا انعكاس خارجي لما بنته النفوس في داخلها: فتنوع الأفنان يجسّد اتساع البصيرة، وجريان الماء يرمز إلى دوام الرحمة، والزوجية تعبّر عن انسجام الفكر والوجدان، وبطائن الإستبرق تشير إلى عمق الصدق الخفيّ، ودنوّ الثمر يدل على تيسير الجزاء بعد جهد، وقصر الطرف يعكس صفاء المقصد أو تأدّب النعمة عند القطاف، أما الياقوت والمرجان فهما رمز لشفافية الروح وصلابتها أو جمال الخَلق في ثباته ونقائه.

وكل مشهد يُختَم بالسؤال الميزاني: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، تذكيرٌ مستمر بأن النعيم مرتبط بالخوف الواعي وبميزان الإحسان. وهكذا، فإن أوصاف الجنتين ليست صور لذّة حسية، بل مقامات إدراك ووعي، تعكس طبيعة النفس التي استحقّتها. وكل تكرار للآية يعيد المتلقي إلى لحظة مواجهة مع ذاته: هل يتقبّل النعمة بوصفها آلاء، أم يكذّبها غفلة؟ هل يُنسى مقام الخوف، أم يبقى أصلًا وجذرًا في كل جزاء؟.

إنها صياغة إبداعية تجعل القارئ يعيش عالمًا من الجمال والرفعة، فيرى البهاء القرآني لا كزخرفة حسّية، بل كبنية بديعة متكاملة: بديع كل شيء.

الخاتمة:

في ضوء هذا التدبّر، يتبيّن أن الجنان في سورة الرحمن ليست مشاهد حسّية للزينة، بل مقامات متمايزة تعكس درجات الوعي والخشية. فالجنتان العُليان تجلّيان لمقام الإحسان والخوف الواعي، حيث النعيم يتناغم مع البصيرة والصفاء الداخلي، بينما الجنتان الدون رحمةٌ منسوبة إلى مقام أدنى، تُظهر أن العدالة الإلهية تعطي كل نفسٍ بقدر ما أعدّت في داخلها.

إنّ الخوف من مقام الله، كما يقدّمه القرآن، ليس رهبةً عابرة، بل ميزانٌ وجودي يزن به الإنسان نفسه في كل فعل وقول. ومن هنا يكون الجزاء مضاعفًا، لأن الوعي أعمق من العمل الشكلي، والإحسان أسمى من مجرد الطاعة.

وهكذا تنكشف لنا سورة الرحمن كلوحة ميزانية متكاملة، تُعيد ربط النعمة بالمسؤولية، وتحوّل مشاهد الجنان إلى دروس في الوعي، فلا يكون الجزاء نهاية فحسب، بل استمرارًا لطبيعة المقام الذي سكن القلب.

دمتم لمياء الشريف

تدبر فردي، يصيبه الخطأ والصواب، لا افرضه على احد، نطلب الهداية من الله سبحانه وبإذنه..

“ملحوظة: خضع النص بمساعدة ال Chatgpt لمراجعة لغوية وتنسيقية، مع تدقيق الاستشهادات القرآنية، لضمان دقة العرض وانسيابية الأسلوب.”

حوارٌ وقتي وهادئ مع اعز صديقة لي، له تكملة وليس له تتمة….

قالت؛ الرجل يحملك ويضعك في بؤبؤ عينه عندما يريد ولكن بدقيقة واحدة يطرحك أرضاً ولا يشعر إنه قد كسرك وهشم عظامك… فما العمل؟

قلت لها: لملمي شتاتك، وابتعدي ولكن ليس كثيرا، اتركيه لنفسه وانت لنفسك، لا تتوهمي انه سيتغير او انه يشعر بحاجة لكي يتغير…..لملمي شتاتك، واقتربي الى نفسك، افهميها وافهمي انها هي انت، وانت ليست هي…

قالت: كيف ذلك؟ وماهي نفسي وما انا؟

رددت قائلة: نفسك هي الاصل، وجسدك هو الزي الذي أختير لك لكي تمثلي دورك به في الدنيا، اما نفسك فهي البداية وهي النهاية، هي التي تطمئن عند خالقها، اما جسدك فهو الدور الذي تؤديه، فلا تتعلقي به لانه زائل ولانه ليس انت الحقيقية، انت هي نفسك….

فابقي مع نفسك، فهي ثمينة عند خالقها، فلتكن ثمينة لديك انت ايضاً، انت هي، فهي مميزة، حرة، كريمة، قادرة،حميدة، غنية، مستغنية بالله خالقها وباريها…..

واخيراً، قلت لصديقة نفسي؛ انا احبك واحب نفسي معك… اشكرك يااعز واحلى اخت، انت صديقتي ونفسك هذه هي الطيب والعنبر، احبك …..

:

رب حصاد لم تلده لك الحياة بعد.

لماذا أتساءل أحيانًا: أين هي صاحبة الثمانية عشر عامًا؟

أين ذهبت؟ أم أنها ما زالت هنا، لكنّها تقدمت وتعلّمت وتغيّرت؟

وهل كان تغيّرها إلى الأفضل؟ وما هو الأفضل أصلًا؟ ومن يملك أن يقرر ذلك؟

في مشواري مع الحياة، اتخذتُ قراراتي، ووجدتُ اختياراتي،

فحصدتُ نتائجها، وتحمّلتُ عواقبها.

لكن هل كانت قراراتي صائبة؟ هل كانت الأفضل؟

أم أنّ هناك ما هو أفضل لم أصل إليه بعد؟

لا أدري!

أدركت أن لا قرار نهائيّ أنتظره،

بل هي معركة مستمرة، وحوار ذكي مع الحياة،

حصاد وراء حصاد، وخيار يتبعه قرار،

سواء كان صحيحًا أم خاطئًا.

ربما ما أنا فيه الآن، بعد أكثر من أربعة عقود،

هو أفضل حصاد… وربما لا.

ما زلتُ أسير، وأختار، وأتعلّم،

وأؤمن أن الحصاد القادم بفضل الله أجمل.

فأنا لا أفقد الأمل،

بل أستلهم من كل حصاد حكمة،

ومن كل عثرة فهمًا،

وأرجو أن يكون حصادي الآتي أوفر بركة،

وأغنى معنى،

وأقرب إلى الله.

فكوا أسر ذالك العصفور

التويتر ذالك العصفور اللطيف بألحانه الناعمة تحول وتبدلت ألحانه الى ضوضاء تنشر التوتر والحزن والقلق،بدلا من ان نسمع اخبار الخير باتت تنشر لنا اخبار الاسى والحزن. كفى! حزنا وألما وقتلا وتقتيلا،كفى ظلما،فكوا أسر ذاك العصفور. 

تنمرت فتمردت

يحكى أنّ حمامة — جميلة نوعًا ما، لأن الجمال نسبي، وجمال الروح أبلغ — حطّت وسكنت على درابزين شرفتي. شرفة واسعة تتغلّفها نسمات البحر الباردة وتحتضنها أوراق الأشجار الدافئة. حطّت ورمقتني بعينيها الواسعتين وانا اجلس هناك اقلب صفحات كتابي مستغرقة في قراءته، امسك الكتاب بيدٍ وارتشف فنجان الشاي باليد الأخرى. تارة اراقب لوحة الغروب، وتارة تستدرك عيناي الكتاب فاعود للقراءة.

بدأت الحمامة اللطيفة تحوم بترقّب وحرص، تقترب أكثر مني، تحسب أنني سيدة الغروب والشاي لا ادري عنها، وانني اخبئ عيوني في الكتاب حتى لا ازعجها. نظرةٌ منها والتفاتةٌ مني — نعم اصبحنا اصدقاء. صديقتي الحمامة والتي اسميتها فيروزة باتت مسالمة صبورة تنتظر إماءة مني او اشارة لأدعوها لبسكوت الشاي — بدأ المشوار: مشوار حبٍ وصداقة بدأ بفتات بسكوتة شاي. لاقت فيروزتي ذلك البسكوت فارتشفت طعمًا كان يروق لها، ومن هنا نشأت العلاقة. صارت فيروزة ضيفة الشرفة الدائمة، وركن الشاي والبسكوت طقسًا، ومرّت الأيام وتقاربت الأرواح والقلوب. أحيانًا أجدها تتجوّل داخل البيت كأنها في قصرها الخاص، تتمتّختر في الرواق، وكأنها تقول: هذا مكاني أيضًا. كانت علاقةٌ بسيطة، لطيفة، محترمة للمسافات.

شاءت الظروف أن تتدلّى بعض الحمامات الأخريات على شرفتي. لم يكن ذلك يزعجني. لكن منذ فترة لاحظتُ حمامة مختلفة عن فيروزة وزميلاتها: لها نفس الهيئة واللون، لكن طبعها متنمّر. كانت تنفش ريشها، تنفخ وتنعق عاليًا على فيروزة والأخريات، فتهربن وتنتظرنها حتى تنقضّ على أغلب فتات البسكوت. تنمّرٌ واضح وطمعٌ بلا مبرر. تنمّرها على شرفتي وصديقاتي أزعجني جدًا. لا أعرف لغة الطيور ولا هي تعرف لغتي. كيف أشرح لها أن تنمّرها غير لائق، وأن التعاون والمحبة أذكى للطرفين؟ كيف أُفهمها قوانين العيش المشترك، وأن الخشونة والطغيان ليستا طريقًا للفوز؟ لكن هيهات: من كانت نفسه مريضةً بالأنانية ستصطدم بكل من حولها.

قصتي مع الحمامة جعلتني اتسائل: كيف يجرؤ إنسانٌ على التنمّر على إنسانٍ آخر؟ وكيف يضيق على كائنٍ ضعيف؟ التنمّر بشعٌ حين يمارسه الإنسان مع أخيه الإنسان، وبشعٌ أضعافًا حين يُوجَّه إلى المخلوقات الأخرى. والفرق واضح: أحدُنا سيُحاسَب يومًا أمام خالقه، والآخر لا — لكن الضمير لا يُبرِّئ أحدًا بهذه السهولة. قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [هود: 6]. تذكيرٌ بأن لكل مخلوق حقًّا على هذه الأرض، وأن علم الله محيطٌ بأرزاقها ومآلاتها. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لا يَرحم لا يُرحم» (البخاري ومسلم) — قاعدةٌ تضبط التعامل بالحسّ والرحمة.

في النهاية عرفتُ أنّ القضية ليست حمامة واحدة ولا بسكوتة هنا أو هناك: القضية موقف. موقفٌ يفضح طبائعنا. فمن يختَر الرحمة يبني فضاءً جميلاً، ومن يختَر التنمّر يزرع سمومًا لا تُمحى بسهولة.

واخيرا: التنمّر ليس قوّة، بل علامة ضعفٍ وانكسار. القويّ هو من ملك نفسه ساعة الغضب، وأطلق لغيره حقّ الحياة. الرِّفق يرفع الإنسان ويُزكّي روحه، أما الغِلظة فلا تخلّف سوى خواءٍ في الداخل ووحشةٍ في الخارج. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].. فالرحمة هي سرّ الاجتماع، وأما التنمّر فلا يورّث إلا عزلةً وهزيمةً في القلب.

ودمتم ٢٠١٩

مكافح ينتظر ومكافح يسعى

كلاهما يكافحان، ولكن يكافحان من؟ وماذا؟ ولماذا؟ وما هو الكفاح أصلًا؟

لنبدأ من البداية…

يولد الإنسان، ويولد معه كفاحه منذ الثانية الأولى؛ من شهقة البكاء الحارّ المضطرب. ذلك البكاء ليس ضعفًا، بل أول صرخة سعي، وأول محاولة للبقاء. يدخل الرضيع الحياة مع أول نسمة أكسجين، كأنها إعلان غير منطوق: أنا هنا… وسأحاول.

وقد عبّر القرآن عن هذا المسار الإنساني منذ لحظته الأولى بقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2]، أي أن الخلق مقترن بالابتلاء، وأن الوجود ذاته رحلة اختبار وسعي، لا حالة سكون أو راحة. ينمو الطفل وهو يحاول فكّ رموز الحياة بأسئلة لا ينطقها لسانه، لكنها تسكن كيانه: لماذا يقرصني الجوع؟ لماذا تتحرك الشفاه أمامي؟ من هؤلاء؟ وماذا يريدون؟ ومن أنا؟ إنها أسئلة فطرية، لا تُقال بالكلمات، بل تُعاش بالمحاولة والخطأ، وهي أولى مظاهر الكفاح: كفاح الفهم، وكفاح التعلّم، وكفاح البقاء.

فلنقفز إلى الأمام… إلى كفاح الإنسان العاقل البالغ. من هو المكافح المنتظر؟ ومن هو المكافح الساعي؟ وهل كلاهما ينتظران؟

قد تنبّه المفكّرون قديمًا وحديثًا إلى أن الكفاح لا يبدأ من الجسد وحده، بل من الوعي. فهناك فرق خفيّ يصنعه نوع الجهل الذي نحمله: جهلٌ ساكن يرضى بنفسه وينتظر، وجهلٌ متحرّك يعترف بنقصه ويسعى. الأول يجهل ويطمئن، فيسكن، ويتّخذ الانتظار شكلًا من أشكال السلام الكاذب. أما الثاني، فيعلم أنه لا يعلم، فيسأل، ويتحرّك، ويتعب، ويخطئ، لكنه لا يتوقف.

وقد أشار إلى هذا المعنى مفكرون من الجاحظ إلى طه حسين، حين فرّقوا بين جهلٍ يُغلق على صاحبه الدائرة، وجهلٍ يفتح له باب السؤال والمعرفة. وهنا يتضح الفرق بين المكافح المنتظر والمكافح الساعي: فالأول لا تنقصه القدرة، بل تنقصه الجرأة على الحركة، أما الثاني فلا يملك اليقين الكامل، لكنه يملك الإرادة.

ولعلّ القرآن لخص هذا الفارق الإنساني بدقة حين قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. فالسعي هنا ليس مجرد حركة، بل موقف داخلي، واختيار واعٍ بألّا نقيم في الجهل، ولا نستكين إلى الانتظار، بل نعبره، ونتقدّم، ونتحمّل كلفة المحاولة. فالفرق بين الإنسان والإنسان ليس فيما يملكه، بل فيما يسعى إليه، وكيف يسعى.

المكافح المنتظر هو الذي يعيش على أمل أن تأتيه الحياة بما يشتهي، بلا سعي ولا جهد. يظن أن الرزق والفرص ستطرق بابه مغلّفة جاهزة. لكنه، رغم ذلك، يكافح كفاحًا قسريًا لا اختياريًا: يكافح ليبقى حيًا، ليأكل، ليحتمي من برد وحر، وليستر جسده. غير أنه يفعل ذلك بلا وعي، بعد أن فقد ثقافة الحياة التي وُهبت له منذ كان رضيعًا، حتى خمدت نار الإبداع فيه، فصار عبئًا على نفسه قبل غيره. وصدق المتنبي حين قال:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ

فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ

لكن هذا المنتظر قنع بالقليل، ففقد الكثير.

أما المكافح الساعي، فهو الذي حمد الله على نعمة الحياة، وأدرك أن عليه أن يكمل كفاحه كما بدأه رضيعًا. لم ينتظر الحياة، بل سعى إليها. يرى الخير في كل خطوة، ويشارك مجتمعه بعطائه، فلا يكون عالة، بل إضافة. لا توقفه أزمة ولا نكسة، بل يحولها إلى حافز. إنه، في جوهره، نوحٌ جديد ينقذ سفينته وسط الطوفان.

ولعل أبسط مثال نجده في حياتنا اليومية: طالبٌ يظن أن النجاح سيأتي لمجرد أنه جلس في الصف، ينتظر العلامة من غير جهد، فيتخرج خالي الوفاض. وآخر يسهر الليالي، ويبحث، ويسعى، ويجتهد، فتُفتح له أبواب المستقبل. وهنا يحضر قول الشافعي:

بقدرِ الكدِّ تُكتسبُ المعالي

ومن طلبَ العُلا سهرَ الليالي.

هكذا هو الفرق بين مكافحٍ ينتظر، ومكافحٍ يسعى. كما اشار ونبه اليها الهنا الكريم في كتابه العزيز :

﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39–40]. وقال أيضًا: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 4–10].

خيراً الانتظار حالة ساكنة يُستهلك فيها العمر بلا أثر، أما السعي فهو حركة تصنع المعنى وتفتح الأبواب. الحياة لا تكافح عنا؛ نحن من نكافح فيها. والفرق بين من ينتظر ومن يسعى، كالفرق بين من يرى السراب ماءً، ومن يحفر بئرًا فيتفجّر الماء تحت قدميه.

ودمتم ٢٠٢٦