تنمرت فتمردت

يحكى أنّ حمامة — جميلة نوعًا ما، لأن الجمال نسبي، وجمال الروح أبلغ — حطّت وسكنت على درابزين شرفتي. شرفة واسعة تتغلّفها نسمات البحر الباردة وتحتضنها أوراق الأشجار الدافئة. حطّت ورمقتني بعينيها الواسعتين وانا اجلس هناك اقلب صفحات كتابي مستغرقة في قراءته، امسك الكتاب بيدٍ وارتشف فنجان الشاي باليد الأخرى. تارة اراقب لوحة الغروب، وتارة تستدرك عيناي الكتاب فاعود للقراءة.

بدأت الحمامة اللطيفة تحوم بترقّب وحرص، تقترب أكثر مني، تحسب أنني سيدة الغروب والشاي لا ادري عنها، وانني اخبئ عيوني في الكتاب حتى لا ازعجها. نظرةٌ منها والتفاتةٌ مني — نعم اصبحنا اصدقاء. صديقتي الحمامة والتي اسميتها فيروزة باتت مسالمة صبورة تنتظر إماءة مني او اشارة لأدعوها لبسكوت الشاي — بدأ المشوار: مشوار حبٍ وصداقة بدأ بفتات بسكوتة شاي. لاقت فيروزتي ذلك البسكوت فارتشفت طعمًا كان يروق لها، ومن هنا نشأت العلاقة. صارت فيروزة ضيفة الشرفة الدائمة، وركن الشاي والبسكوت طقسًا، ومرّت الأيام وتقاربت الأرواح والقلوب. أحيانًا أجدها تتجوّل داخل البيت كأنها في قصرها الخاص، تتمتّختر في الرواق، وكأنها تقول: هذا مكاني أيضًا. كانت علاقةٌ بسيطة، لطيفة، محترمة للمسافات.

شاءت الظروف أن تتدلّى بعض الحمامات الأخريات على شرفتي. لم يكن ذلك يزعجني. لكن منذ فترة لاحظتُ حمامة مختلفة عن فيروزة وزميلاتها: لها نفس الهيئة واللون، لكن طبعها متنمّر. كانت تنفش ريشها، تنفخ وتنعق عاليًا على فيروزة والأخريات، فتهربن وتنتظرنها حتى تنقضّ على أغلب فتات البسكوت. تنمّرٌ واضح وطمعٌ بلا مبرر. تنمّرها على شرفتي وصديقاتي أزعجني جدًا. لا أعرف لغة الطيور ولا هي تعرف لغتي. كيف أشرح لها أن تنمّرها غير لائق، وأن التعاون والمحبة أذكى للطرفين؟ كيف أُفهمها قوانين العيش المشترك، وأن الخشونة والطغيان ليستا طريقًا للفوز؟ لكن هيهات: من كانت نفسه مريضةً بالأنانية ستصطدم بكل من حولها.

قصتي مع الحمامة جعلتني اتسائل: كيف يجرؤ إنسانٌ على التنمّر على إنسانٍ آخر؟ وكيف يضيق على كائنٍ ضعيف؟ التنمّر بشعٌ حين يمارسه الإنسان مع أخيه الإنسان، وبشعٌ أضعافًا حين يُوجَّه إلى المخلوقات الأخرى. والفرق واضح: أحدُنا سيُحاسَب يومًا أمام خالقه، والآخر لا — لكن الضمير لا يُبرِّئ أحدًا بهذه السهولة. قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [هود: 6]. تذكيرٌ بأن لكل مخلوق حقًّا على هذه الأرض، وأن علم الله محيطٌ بأرزاقها ومآلاتها. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لا يَرحم لا يُرحم» (البخاري ومسلم) — قاعدةٌ تضبط التعامل بالحسّ والرحمة.

في النهاية عرفتُ أنّ القضية ليست حمامة واحدة ولا بسكوتة هنا أو هناك: القضية موقف. موقفٌ يفضح طبائعنا. فمن يختَر الرحمة يبني فضاءً جميلاً، ومن يختَر التنمّر يزرع سمومًا لا تُمحى بسهولة.

واخيرا: التنمّر ليس قوّة، بل علامة ضعفٍ وانكسار. القويّ هو من ملك نفسه ساعة الغضب، وأطلق لغيره حقّ الحياة. الرِّفق يرفع الإنسان ويُزكّي روحه، أما الغِلظة فلا تخلّف سوى خواءٍ في الداخل ووحشةٍ في الخارج. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].. فالرحمة هي سرّ الاجتماع، وأما التنمّر فلا يورّث إلا عزلةً وهزيمةً في القلب.

ودمتم ٢٠١٩

اترك تعليقًا