مكافح ينتظر ومكافح يسعى

كلاهما يكافحان، ولكن يكافحان من؟ وماذا؟ ولماذا؟ وما هو الكفاح أصلًا؟

لنبدأ من البداية…

يولد الإنسان، ويولد معه كفاحه منذ الثانية الأولى؛ من شهقة البكاء الحارّ المضطرب. ذلك البكاء ليس ضعفًا، بل أول صرخة سعي، وأول محاولة للبقاء. يدخل الرضيع الحياة مع أول نسمة أكسجين، كأنها إعلان غير منطوق: أنا هنا… وسأحاول.

وقد عبّر القرآن عن هذا المسار الإنساني منذ لحظته الأولى بقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2]، أي أن الخلق مقترن بالابتلاء، وأن الوجود ذاته رحلة اختبار وسعي، لا حالة سكون أو راحة. ينمو الطفل وهو يحاول فكّ رموز الحياة بأسئلة لا ينطقها لسانه، لكنها تسكن كيانه: لماذا يقرصني الجوع؟ لماذا تتحرك الشفاه أمامي؟ من هؤلاء؟ وماذا يريدون؟ ومن أنا؟ إنها أسئلة فطرية، لا تُقال بالكلمات، بل تُعاش بالمحاولة والخطأ، وهي أولى مظاهر الكفاح: كفاح الفهم، وكفاح التعلّم، وكفاح البقاء.

فلنقفز إلى الأمام… إلى كفاح الإنسان العاقل البالغ. من هو المكافح المنتظر؟ ومن هو المكافح الساعي؟ وهل كلاهما ينتظران؟

قد تنبّه المفكّرون قديمًا وحديثًا إلى أن الكفاح لا يبدأ من الجسد وحده، بل من الوعي. فهناك فرق خفيّ يصنعه نوع الجهل الذي نحمله: جهلٌ ساكن يرضى بنفسه وينتظر، وجهلٌ متحرّك يعترف بنقصه ويسعى. الأول يجهل ويطمئن، فيسكن، ويتّخذ الانتظار شكلًا من أشكال السلام الكاذب. أما الثاني، فيعلم أنه لا يعلم، فيسأل، ويتحرّك، ويتعب، ويخطئ، لكنه لا يتوقف.

وقد أشار إلى هذا المعنى مفكرون من الجاحظ إلى طه حسين، حين فرّقوا بين جهلٍ يُغلق على صاحبه الدائرة، وجهلٍ يفتح له باب السؤال والمعرفة. وهنا يتضح الفرق بين المكافح المنتظر والمكافح الساعي: فالأول لا تنقصه القدرة، بل تنقصه الجرأة على الحركة، أما الثاني فلا يملك اليقين الكامل، لكنه يملك الإرادة.

ولعلّ القرآن لخص هذا الفارق الإنساني بدقة حين قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. فالسعي هنا ليس مجرد حركة، بل موقف داخلي، واختيار واعٍ بألّا نقيم في الجهل، ولا نستكين إلى الانتظار، بل نعبره، ونتقدّم، ونتحمّل كلفة المحاولة. فالفرق بين الإنسان والإنسان ليس فيما يملكه، بل فيما يسعى إليه، وكيف يسعى.

المكافح المنتظر هو الذي يعيش على أمل أن تأتيه الحياة بما يشتهي، بلا سعي ولا جهد. يظن أن الرزق والفرص ستطرق بابه مغلّفة جاهزة. لكنه، رغم ذلك، يكافح كفاحًا قسريًا لا اختياريًا: يكافح ليبقى حيًا، ليأكل، ليحتمي من برد وحر، وليستر جسده. غير أنه يفعل ذلك بلا وعي، بعد أن فقد ثقافة الحياة التي وُهبت له منذ كان رضيعًا، حتى خمدت نار الإبداع فيه، فصار عبئًا على نفسه قبل غيره. وصدق المتنبي حين قال:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ

فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ

لكن هذا المنتظر قنع بالقليل، ففقد الكثير.

أما المكافح الساعي، فهو الذي حمد الله على نعمة الحياة، وأدرك أن عليه أن يكمل كفاحه كما بدأه رضيعًا. لم ينتظر الحياة، بل سعى إليها. يرى الخير في كل خطوة، ويشارك مجتمعه بعطائه، فلا يكون عالة، بل إضافة. لا توقفه أزمة ولا نكسة، بل يحولها إلى حافز. إنه، في جوهره، نوحٌ جديد ينقذ سفينته وسط الطوفان.

ولعل أبسط مثال نجده في حياتنا اليومية: طالبٌ يظن أن النجاح سيأتي لمجرد أنه جلس في الصف، ينتظر العلامة من غير جهد، فيتخرج خالي الوفاض. وآخر يسهر الليالي، ويبحث، ويسعى، ويجتهد، فتُفتح له أبواب المستقبل. وهنا يحضر قول الشافعي:

بقدرِ الكدِّ تُكتسبُ المعالي

ومن طلبَ العُلا سهرَ الليالي.

هكذا هو الفرق بين مكافحٍ ينتظر، ومكافحٍ يسعى. كما اشار ونبه اليها الهنا الكريم في كتابه العزيز :

﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39–40]. وقال أيضًا: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 4–10].

خيراً الانتظار حالة ساكنة يُستهلك فيها العمر بلا أثر، أما السعي فهو حركة تصنع المعنى وتفتح الأبواب. الحياة لا تكافح عنا؛ نحن من نكافح فيها. والفرق بين من ينتظر ومن يسعى، كالفرق بين من يرى السراب ماءً، ومن يحفر بئرًا فيتفجّر الماء تحت قدميه.

ودمتم ٢٠٢٦

اترك تعليقًا