سبحانك ربي… حديث مع النفس

أنا لست مرآةً تعكس الآخرين، بل كيانٌ مستقلّ يتعلّم من الحياة كما شاء الله أن تكون.

كل يوم يمرّ يؤكد لي أن هذه الحياة ليست عبثًا. نعم، نحن نصنع أقدارنا بخياراتنا، بخطواتنا الصغيرة قبل الكبيرة. فالله سبحانه كتب سننه وقوانينه في هذا الكون، وأودع فيها احتمالات الخير والشر، النجاح والفشل، السعادة والشقاء. وهذه السنن لا تحابي أحدًا: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [فاطر: 43].

المسؤولية إذن تقع علينا كاملة؛ نحن من نختار، ونحن من نحصد. فإذا التزمنا بما كتبه الله من قوانين الرحمة والعدل والتزكية، كانت النتائج بركة وخيرًا. وإذا تجاهلناها، وقعنا في العواقب، وهي ليست قدرًا أعمى، بل انعكاس طبيعي لاختياراتنا الخاطئة. والعواقب نفسها تتحول إلى دروس تكشف النفس وتزكّيها، لتعيدها إلى الطريق الأقوم. أحيانًا، لا تُرهقني أقداري بقدر ما تُرهقني توقعاتي. أوهامي التي تُقنعني أنني أستطيع التنبؤ، أو أن الناس سيكونون كما أرجو. لكن سرعان ما أفاجأ… فينكسر في داخلي شيء صغير، لأصحو من جديد.

عندها ألجأ إلى القرآن، فأجد التصنيف الرباني للنفس كأنه مرآة أمامي: النفس الأمارة بالسوء: التي تستسلم لشهواتها. قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: 53]. النفس اللوامة: التي توقظني وتعاتبني. قال تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]. النفس المطمئنة: غايتي وملاذي. قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27–30]. أدركت أن تقوية النفس لا تكون بالتحمّل الأعمى، بل بالتزكية. قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9–10].

في لحظات الألم حين يجرحني القريب أو يستخفّ بي من ظننته يفهمني، أكتشف أن الجرح ليس منهم، بل امتحان لقوتي ووعيي. قال نيتشه: “ما لا يقتلني يجعلني أقوى.” وأنا أقول: ما لا يزلزل يقيني، يزيدني ثباتًا.

أتعلم أن الألم أحيانًا أداة تهذيب لا نقمة. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. وأقوّي نفسي بالصلاة التي تعيد اتزاني، وبالقرآن الذي يربيني من الداخل. كلما قابلت الإساءة بالحسنى، لا ضعفًا بل سموًّا، ازددت قربًا. قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. وقال الشافعي: “إذا جاريتَ في خلقٍ دنيئًا فأنت ومن تجاريه سواءُ.”

لقد علّمتني الحياة أنني حين أقدّر نفسي، لا أطلب من الآخرين تقديرًا. فأنا لست مرآة لهم، بل كيان قائم بذاته. أحب نفسي حين تمرّ بالألم، لا لأنها تنهزم، بل لأنها تُصقل وتصفو. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]. وأحب فيها كبرياء لا ينتقم، وكرامة لا تُذل، وعقلًا لا يغرقه الغضب. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. وقال المتنبي: “وما انتقامي إلا من الجهلِ بالصّفا / إذا سكتُّ ففي السكوتِ مهابَتي.”

سبحانك ربي، ما ألطفك حين تُعلّمني بالصدمات لا بالكلمات، وحين تكشف لي نفسي من خلال غيري. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].

المراجع:

الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن.

ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.

سيد قطب، في ظلال القرآن.

Nietzsche, F. (1888). Twilight of the Idols.

المتنبي، ديوان المتنبي (قصيدته في كافور الإخشيدي).

الإمام الشافعي، ديوان الشافعي.

اترك تعليقًا