
هذه عبارة سمعتها في إحدى المحاضرات للدكتور عدنان ابراهيم (١) وعنوانها ( سُنة و سُنة….. وكلهم سُنة) (٢) ، هذه العبارة فجرت في داخلي سيل من التساؤلات هل فعلاً “نحن نهزل والدهر جاد”، بماذا نهزل؟ وكيف ان الدهر جادا؟، وجودنا افعالنا افكارنا كلها حقيقية ليست هزلاً، ستنتهي يوماً وتنتظر يوم حسابها اذا فالدهر جاد..اقشعر بدني وتساءلت بخوف، هل نحن امة نهزل فعلاً ؟ ايعقل أننا لانشعر أننا تحت غفلة هذا الهزل والهمز واللمز والحصر والانطوائية ورفض الحياة ؟، كلٌ يدعي انه على حق والكلٌ يتصرف على أساس هذا الحق الموهوم، يتراشقون ويتسابقون في انتاج شتى أنواع الشرور للآخر ، فوالله ، انها لمصيبة الكبرى…..
وفي ذات الفترة ايضا كنت قد قرأت مقالةً جميلة للدكتور احمد العرفج (٣)، عنوانها (الجمع بين السرقة والعبادة) (٤) قال فيها “لديَّ إيمان عميق، بأن الإنسان يجب عليه أن يقتصد في إنتاج الشر قدر المستطاع”…… استوقفتني عبارته هذه ايضا كما عبارة الهزل والجد للدكتور عدنان ابراهيم لاحقاً………الدكتور العرفج يُطالب من خلال مقالته بالتعقل وتفهم العِوج والنقص في طبيعة الانسان، واننا يجب ان نفسح المجال له ذا الانسان بشتى الفرص للتراجع عن زلاته وهزله ولمزه وان نشجعه لفعل الصواب و الصحيح. هنا تساءلت؛ هل الاقتصاد في انتاج الشر الذي يشير اليه الدكتور العرفج في المعاصي يعد بابا من أبواب الهزل لدى الدكتور عدنان!؟ …..وهل كلمة المعاصي تعني جملة المعاصي بكل أشكالها وفظائعها وكل أنواع الفساد كالسرقة والتكفير والقتل وغيرها !؟ ….ام الهزل هنا هو فقط مقصود به المعاصي الصغيرة كسرقة كيس طعام أو كسوة احد ما…. او جرح آخر…او ذم في ذاك وهمز في تلك..؟ هل كل المعاصي لها توبة؟..مجرد تأمل…
هناك سؤال مطروح نرجع فيه إلى مقالة الدكتور العرفج، فقد سأل الدكتور قائلاً ( هل تؤيدونها!؟)……يقصد هل تؤيدون الجمع بين السرقة والعبادة! معبراً “في نهاية الناصية يا قوم، هذه نظريتي في اقتصاد الشر، وترشيد استهلاك المعاصي، هل تُؤيدونها؟، أم أنكم تؤيدون تلك النظرية القائلة بأنه: (يجب على الإنسان أن يبتعد عن كل الشرور والمعاصي، فلا يســـرق ولا يترك الصلاة)؟ الأمر متروكٌ لكم وعليكم الاختيار.” ..هنا يطالب الدكتور ان يكون هناك خط رجعة للعاصي، هل بالامكان الإصلاح ، او مجاهدة النفس!؟ والى اي مدى تحتمل هذه المعصية خط الرجعة هذا!؟ هل هناك حدا معينا للتوبة وضعه لنا الواحد الأحد فإذا تعديناه خسرنا فرصة المغفرة!؟ ام ان باب توبته مفتوح مشروع على الدوام.!؟…
تساؤلاتي هذه وغيرها، بسيطة ولكن عصيبة في ذات الوقت، أجول بفكري وخاطري هنا وهناك وارى حالنا الان، فأجد، مشاهد الطغيان كثيرة التي قد غطت على اغلب مشاهد الرحمة والتسامح والتعارف والتكامل والتعاون بين الناس، نصبوا انفسهم نواب و وكلاء عن الإله، تطاولوا على بعضهم البعض، تكبروا واصبحوا حازمين كل الحزم أنهم على حق وان إيمانهم قوي جدا راسخ لايحتاج لأي مجاهدة أو محاسبة، إيمان مصقول لايخدش ولاينقص ولايحتاج إلى صيانة مستمرة . امتلكوا الحقيقة وفقهوا كل شئ، فأصبح هذا الانفلات القيمي واقعا نعيشه لا يشوبه ولا يعتليه اي نقص او غلط ، نصبوا أنفسهم الاله وصنعوا بايديهم كهنوتهم، واثقون كل الثقة بانهم يحسنون صنعا ويحدثون فرقا، عَميت بصائرهم، وضيقوا على أنفسهم وصعبت التوبة وأصبحوا في دائرة الهزل ولكن ماذا؟! ان الدهر جاد…
وضعوا الحدود والسدود والأثقال والأغلال أرجعوها مرة اخرى بعدما أزالها الإله الكريم الرحيم، هذه الأغلال التي لم يشرّع بها سلطان، وانتهى بهم وبنا المطاف خالصين ان لا مغفرة ولا توبة أبدا، فإن عصينا سيعجل الله العذاب سريعاً في دنيانا قبل آخرتنا، وأصبحنا نحن الجلادون!!! وصارت جل تجاربنا وامتحاناتنا الدنيوية نهائية ولا دور ثانٍ فلارجعة ولاتوبة، وأننا من المؤكد لمغلوبون مغلوبون…
هكذا عُبَّاد الأنا و لاغيري هنا إلا أنا……صار حالنا وقيمنا الاخلاقية وافعالنا مشوهة بعيدة كل البعد عن الأصل والمرجع الا وهو كتاب الله المجيد فنحن في غفلة عن كل شي، فكل قرية حتماً ستهلك بفعل قانون وسنت الله سبحانه في كتابه الكريم الا وهو قانون هلاك القرى…
اتفهم مايرتقي اليه الدكتور العرفج في مقالته……انك أيها الانسان وبهذه العقلية السماحية ستؤدب نفسك أولاً ، ومن ثم تعين الآخرين على تحري رؤية الأمل والخير لتعيش حياة كريمة قوامها الرحمة والمسامحة ومن ثم المغفرة بإذن الله،الم يسعدنا ويبشرنا الهنا الكريم في تنزيله الحكيم، قائلاً ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، الأنبياء ١٠٧)، أليس الله بأرحم الراحمين، الا ندعوه بكل صلاة ولقاء معه بالرحمن الرحيم ….. فهل بهذه المعية يمكن ان يفلس الانسان المتأمل، المتيقن، المتقي !؟؟، لا والله لن يفلس.
وأتفهم الدكتور عدنان ابراهيم… عندما قال؛ نحن نهزل والدهر جاد…..لقد أراد الله بان نكون بالإحسان والمحبة والرحمة والتسامح جَادين، لأننا نحن أبناء الانسانية العظيمة…. الإنسان الخليفة أُسّه التسامح والمحبة والخير، قال الله تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير، الحجرات ١٣) ، لنكون وحدة واحدة تعيش تحت راية الحرية والتسامح والإحسان…دين واحد…( إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب، آل عمران ١٩).
دعوكم يا نوّاب ووكلاء السماء، فالسماء لاتحتاجكم، نحن نحتاجكم!!هنا في الأرض، كونوا لنا نصحاء وشركاء في هذه الحَيَاة، ولنكن معاً ذاك العبد البشري المصطفى الذي باهى به اللهُ العظيم ملائكته وجِنّه، واوكله الخلافة في ارضه…..وجنته في الدنيا.
وأخيرا، فن حمدي لله عظيم، وشكري له جزيل، مطمئنة واشعر بالسكينة، ليقيني بأن إلهنا الرحيم لن يوكل زمام حسابنا وجزائنا الى ذاك الانسان الضعيف (إنسان إلانا)، وإلا لضعنا وضاعت كل مجهوداتنا وخزائننا هباءً منثورا. ولن يرى اي منا جنّة الله الموعودة. ودمتم…
(١) عدنان إبراهيم (مواليد 1966) مفكر إسلامي من مواليد مدينة غزة، وهو من الخطباء المسلمين البارزين في أوروبا، وهو داعية ومفكر، ولهُ دراية بعلوم التربية والأدب، ويجيد عدة لغات بجانب اللغة العربية وهي الإنجليزية والألمانية والصربو كرواتية. (https://ar.wikipedia.org/wiki/عدنان_إبراهيم_(مفكر)
(٢)رابط خطبة الدكتور عدنان ابراهيم (سنة ام سنة……وكلهم سنة):
(٣) أحمد عبد الرحمن العرفج كاتب سعودي ساخر يلقب بعامل المعرفة، من مواليد 25 مايو 1967 في مدينة بريدة. حصل على الدكتوراه في تخصص الإعلام، وصدر أمر ملكي في 26 فبراير 2018 بتعيينه عضوًا في مجلس أمناء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني(سابقا). وهو عضو مجلس أمناء جائزة الشارقة للاتصال الحكومي.
(٤)رابط مقالةالدكتور أحمد العرفج (الجمع بين السرقة والعبادة):
http://www.gomhuriaonline.com/main.asp?v_article_id=400988#.V-Zk96WKSUk