الصدق والكذب وجهان لعملة الحقيقة الواحدة! هل اتحدا يوماً!؟


هل الصدق والكذب وجهان لعملة واحدة فعلا؟، وهل اتحدا يوماً ما!؟

بات الكذب جزءاً لايتجزأ من الحقيقة، ان لم يكن كل الحقيقة، واصبح يتلون ويتشكل بكل سهولة وسلاسة الى الوان واشكال عدة، لم نعد نحصيها، نسميها بالمجمل “مجاملة”، لكنها في حقيقتها نفاق مغلف بحلاوة الكلام، وصدق الإمام علي رضي الله عنه حين قال: «الصدق منجاة، والكذب مهواة.»

وهنا تكمن الطامة الكبرى . !!! فقد انقلب الامر واصبح الاستشهاد بجلال اسم الله العظيم وبرسوله الأمين حقيقة أليمة نراها كل يوم في تعاملاتنا، اصبحت جزءاً رئيسياً مجدولاً ومعجوناً مع الكذب، نراها تظهر وبمهارة في اغلب محاولات التشويه للحقيقة وللكذب اللبق ان جاز التعبير،…..فنقول مثلا، عندما نحاول تطمين الاخر والتأكيد على نتيجة معينة في المستقبل لانريدها في الاصل ولكن ننافق ونجامل لتمر الامور بسلاسة فنقول ونستشهد ب ( ان شاء الله، وبإذن الله) لنهدئ من روع الضحية وكأننا نعلم الغيب. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ الْكَـٰذِبُونَ﴾ [النحل: 105].

ونقول ايضا عند محاولة تهدئة الانفس في الصراعات (صلي على النبي، صلوا على النبي…) » لا لتهدئة النفوس، بل لإخماد الحوار أو قلب النقاش، هي وسيلة تظهر بشدة عندما نقع فريسة سهلة لسيل المجادلات العقيمة ولمحاولات رفض الفكرة او الاقتراح ، او حتى لاقرار حقيقة ما فنقول (الله اعلم، الله المقدر، لعله خير، قدر الله وماشاء فعل…) وقس على ذلك ماشئت من كلماتِ وجملِ الدعاء، تلك الأدعية وتلك الجمل الجليلة التي من المفروض ان تكون هي مرآتنا وانعكاس لتصرفاتنا، فهي من قيم الصراط المستقيم التي تستقيم بها وترتقي تعاملاتنا الإنسانية. ولكن هيهات اصبحت تلك القيم اداة وحجة للكذاب والمنافق الذي لايتورع في استخدام تلك الادعية حينما يريد وكيفما يريد ضاربا بها وبكل القيم الاسلامية الجميلة بالحائط ليصل الى مراده. وهذا عين ما حذّر منه رسول الله عليه الصلاة والسلام حين قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة… وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار» (البخاري ومسلم).

صار الكذب عند بعضهم مهارة، يلفّ ويدور حتى يُصدّق صاحبه كذبه ويقتنع به كأنه حقيقة. وقد صدق نيتشه حين قال: «ليس أسوأ من الكاذب إلا من يتوقع أن يُصدَّق.» بل إن الفيلسوف كانط اعتبر أن الكذب يهدم الثقة التي يقوم عليها المجتمع، لأنه يدمّر اللغة نفسها.

كيف آل بنا الحال إلى هذا؟ كيف انسلت منا اهذه لقيم الانسانية، قيم الدين القيّم ونحن أمة الإسلام؟ الأمة التي بُعث فيها رسول كريم ليتمم مكارم الأخلاق. قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. لقد قسى جلد المتحدث حتى صار أقسى من جلد التمساح. يكذب، ثم يصدّق كذبه، ويقنع نفسه أنه الصدق بعينه. وهنا يحضر قول المتنبي:

وإذا لم يكن من الموت بدٌّ

فمن العجز أن تموت جبانَا

فالصدق شجاعة، والكذب جبن يتزيّن بمظهر اللباقة.

اخيراً، الصدق والكذب ليسا وجهين لعملة واحدة، بل عملتان متناقضتان؛ أحدهما يحررنا ويقود إلى الجنة، والآخر يقيدنا ويجرّنا إلى النار. الصدق قد يرهق لحظة، لكنه يحرر العمر كله. أما الكذب فيريح لحظة، ويثقل العمر كله.

 

اترك تعليقًا