بضدها تفهم الأشياء

بضدها تفهم الأشياء، وبتنوعها تخلق الإبداعات !!!

كيف للضد والاختلاف أن يصنعا الإبداعات التي ترى النور لأول مرة؟ وكيف لهما أن يرسمَا الخطوات والحلول السديدة؟ ما هو الإبداع؟ وهل هو من ضروريات الحياة التي نعيشها الآن أو التي سنعيشها لاحقًا؟ وهل أخذ كلٌّ من الإبداع والخلق ما يستحقانه من التقدير والاهتمام من الناس والمجتمعات؟

يقال إن ملكة الإبداع تولد مع الإنسان، وتخرج للحياة بأحسن وأجود إنتاجاتها بشرط وجود الحاضن المناسب لها. والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن: إن لم يكن هناك هذا الحاضن، ماذا سيحصل لذلك الإنسان المبدع، وما سيكون مآله؟

إن الإبداع عبقرية وملكة توجد في كل إنسان، في روحه، في نفسه، في عقله. لا أعتقد أن العبقرية والإبداع محصوران في أشخاص معينين فقط، وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29]. كل إنسان يحمل قبسًا من الروح الإلهية، ذلك الامر الالهي الذي يحمل الينا طاقة إبداعية كامنة تنتظر مناخها. لكن شاءت الظروف أن يتواجد بعضهم في بيئة لا تسمح للحقيقة أن تتجلى، فيذبل الإبداع كما يذبل الورد في تربة فقيرة.

على هذا المبدع القليل الحيلة أن يكافح ويسعى، يبحث عن منفذ للضوء ومتنفس للروح. قال المتنبي:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ

فلا تقنعْ بمـا دونَ النجـومِ

والإبداع كذلك، لا يقنع بالقليل، بل يبحث عن أفق يُطلق فيه جناحيه.

ما هو شكل الحاضنة؟ وما هيئتها ومواصفاتها وحدودها؟ إنها بلا حدود ولا مواصفات. إنها بيئة حضارية راقية، شاملة، لا سقف لها. بيئة قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: «الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها» (رواه الترمذي). بيئة يجد فيها الإنسان الحكمة حيث كانت، ولو عند خصومه أو المختلفين معه.

في تلك الحاضنة تجد المثيل والنقيض، الكاتب والفنان، المهندس والراقص، المغني والطبيب، الطباخ والشاعر… جميعهم يلتقون. تتناغم الأضداد وتنسجم العشوائية بالقوانين، كما قال الفيلسوف هيغل: «الحقيقة تُولد من الجدل بين النقيضين.» فالمهندس والفنان يلتقيان على سلّم الموسيقى والرياضيات معًا، والراقص والكاتب يتمايلان على فكرة أو لحن، والطبيب والطباخ يلتقيان على شاشة الكمبيوتر بحثًا وتقصيًا.

كل أولئك وغيرهم يعيشون في حاضنة واحدة، تتناغم فيها الأضداد، وتتعانق فيها المتناقضات. إنها الإطلالة الراقية للإنسان الخليفة المبدع في أروع حالاته.

واخيراً: الإبداع لا يولد في الانسجام وحده، بل في الاحتكاك بين الأضداد. كما لا يُعرف النور إلا بالظلام، ولا يُقدَّر العدل إلا بالظلم، كذلك لا يزهر الإبداع إلا حين يجد نفسه في مواجهة المختلف والمخالف. بضدها حقًا تُفهم الأشياء، وبضدها يولد الجمال.

ودمتم.

لمياء الشريف

١٨/١/٢٠٢٦

اترك تعليقًا