عجبي…نجرؤ على من علّم البيان!!!!

ُقال أحيانًا: «لا يمكن الاعتماد على القرآن وحده في معرفة الأحكام، بل لا بد من السنة لبيان المجمل وتخصيص العام».

وأقف متسائلة: أبهذه السهولة يمكن أن ننتقص من الكتاب الذي وصفه الله بأنه كامل؟ أهو كتاب عادي مطروح للتجربة والنقد، أم تنزيل حكيم محفوظ؟ قال تعالى:

{ وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)} [الأعراف].

وقال أيضًا:

{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل].

ثم أكد سبحانه أن البيان عنده:

{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة].

فالقرآن لم يأتِ ناقصًا يحتاج من خارجٍ أن يكمّله، بل جاء مبينًا، يطلب منا التدبر والفهم.

ومن الناحية التاريخية، القرآن جُمع ودُوّن وحُفظ في حياة الرسول ﷺ، بينما المرويات لم تُدوّن إلا بعد وفاته بقرون. فلو كانت مكملة للنص لوجب أن تُحفظ مثله.

لكن لا يعني هذا رفض السنة جملةً وتفصيلاً؛ فما صح منها وثبت يقينًا، فهو امتداد للقرآن لا مناقض له. وقد جاء في الحديث الصحيح: قال رسول الله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله» (رواه مسلم). أي أن الأصل الجامع هو القرآن، وما صح من السنة لا يخرج عنه.

وقال الإمام الشافعي: «كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن». وهذا يضع الأمور في نصابها: السنة بيان عملي لما في الكتاب، وليست مصدرًا يوازيه أو يناقضه.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «من أراد العلم فليتدبر القرآن، فإن فيه خبر الأولين والآخرين» (أخرجه البيهقي). وهنا نرى أن الصحابة أنفسهم جعلوا القرآن المرجع الأصيل. بل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في حادثة مشهورة: «حسبنا كتاب الله»، تأكيدًا أن النص يكفي في أصل الهداية.

وليس هذا مجرد استنتاج شخصي، بل هو ما أشار إليه عدد من المفكرين. فالمفكر محمد أسد (1900–1992) في تفسيره رسالة القرآن أكّد أن النص القرآني جاء “مكتفيًا بذاته، ومكتملًا في معناه”، وأن الحاجة إلى المرويات لا تتجاوز كونها سياقات تاريخية وثقافية لا تُقدَّم على الوحي نفسه. كما يرى الباحث محمد أركون (1928–2010) أن إغلاق العقل القرآني أمام النص مباشرة، والاكتفاء بوسائط المرويات المتأخرة، حجب إمكانية التجديد والفهم الذاتي للنص.

هذا لا يعني إنكار كل الروايات، بل يعني التعامل معها بميزان القرآن نفسه: فما وافقه وقوّى معناه قُبل، وما ناقضه رُدّ. وهنا نفهم معنى قول الله:

{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)} [الكهف].

وفي بعدٍ فلسفي، قال الفيلسوف كانت: «كل عقل يبحث عن القانون الكلي الذي يحكم فعله» — وهنا القرآن هو هذا القانون الكلي الذي يعلو على كل اجتهاد بشري. أما المرويات فهي اجتهادات بشرية في التفسير والفهم، يؤخذ منها ما يوافق الأصل ويُترك ما يخالفه.

أما الشعر العربي فقد عكس هذا المعنى في بيت أبي العتاهية:

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده

فالاعتماد على اجتهاد منفصل عن الوحي قد يضلل، أما الاستناد إلى القرآن فهو الحماية.

إذن، الموقف المتزن أن القرآن هو المرجع الأول، والمرويات مقبولة إن كانت موثوقة 100٪ ومتوافقة مع صريح الكتاب. بذلك نحفظ للنص القرآني كماله، ونستفيد من الموروث حين يكون مرآة تعكس نوره لا ظلًا يحجبه.

ودمتم.

اترك تعليقًا